ابن عربي
390
مجموعه رسائل ابن عربي
في طريقة السلف الصالح ، ويشنع على من تعرض إلى شيء منها بتأويل ، أو صرفه عن ظاهره بدليل ، إلى ما تعارف في عرف العرب الذين نزل القرآن بلغتهم ، وبنسبة في ذلك إلى مخالفة الصحابة والتابعين ( رضوان اللّه عليهم أجمعين ) ، لكونهم ما نقل عنهم التعرض لشيء من ذلك ، وقد ضل وأضل كثيرا ، وما يضل به إلّا من هو قاصر الفهم ضعيف النور . وحيث : سألتني عن ذلك ، ورغبت في إملاء شيء عليك ، فلا بد من الإجابة على سبيل النصيحة للّه تعالى ولرسوله ( ص ) ، ولأئمة المسلمين وعامتهم ( رضي اللّه عنهم أجمعين ) . فاعلم - أمدني اللّه وإيّاك بمدد توفيقه - أن من أجل منح اللّه تعالى على عبده : طهارة قلبه وسلامة فطرته ، وقلة منطقه ، فإنه بذلك يلقن الحكمة ، ويسمع هواتف الحق في كل نفس من أنفاسه ، ويضيء له في ليل المتشابه مصباح المحكم ، فيرسخ قدم صدقه في معرفة ربه سبحانه ، ويحيي بلده الطيب بغيث الهدى والعلم ، فيخرج نباته بإذن ربه : كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ * تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها ويسلك بنحل أفكاره سبل الإستقامة ، فيخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس . وقد كان للصحابة ( رضي اللّه عنهم ) من هذا المشرب أصفاه وأعذبه ، ومن العلم بالكتاب والسنة أزكاه وأطيبه ، وكيف لا يكونون كذلك وقد تليت عليهم آيات اللّه وفيهم رسوله ، ولهم من الاعتصام باللّه ما ضمنت لهم به الهداية والاستقامة : وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يعلمون الناسخ والمنسوخ بالمعاصرة ، وأسباب النزول بالوقائع ، ويفهمون ما أودع في مواقع التركيب وأساليب البيان بالطباع ، يردون ما اختلفوا فيه إلى اللّه والرسول ، فيعلمه الذين يستنبطونه منهم ، وهم الراسخون في العلم وأولو الأمر ، يتدبرون القرآن ويردون المتشابه إلى معنى المحكم ، يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا فلا اختلاف فيه وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ولأجل ذلك لم ينقل عنهم اعتناء بإيضاح آيات الأسماء والصفات ، ولا أكثروا السؤال عنها بعدم أشكالها بحسب لغتهم ، ولاتساع مجال أفهامهم في معانيها الصحيحة ، وكان من أدبهم ( رضي اللّه عنهم ) أن لا يثق أحد بفهمه في استيعاب المراد منها ، فسكتوا عنها مفوضين إلى كل فهم صحيح ما منحه اللّه تعالى من الاتساع الموافق للغة